هذه المشاركة تتناول شرح ومناقشة بعض الأفكار في كتاب "النقد الأدبي" للمفكر والأديب الكبير أحمد أمين (1886-1954). ألف أحمد أمين هذا الكتاب ليكون كتابًا مرجعًا، حيث تطرق فيه إلى الكثير من القضايا ذات الصلة بالنقد الأدبي، فتحدث عن أصول النقد ومبادئه، ونظرياته، والأسس التحليلية التي تستند إليها هذه النظريات، والغرض من دراستها، وارتباطها بالفن والعلم، كما تناول المؤلف الجانب التاريخي الخاص بالنقد الأدبي عند العرب والغرب، فاستعرض تاريخ النقد الأدبي الغربي، وتطرق إلى عوامل انحلال المدرسة الكلاسيكية الحديثة، ووضع النقد الأدبي بين المدرسة الكلاسيكية والمدرسة الرومانتيكية، هذا بالإضافة إلى تطرقه لتاريخ النقد الأدبي في الحضارة العربية بدءًا من العصر الجاهلي مرورًا بالعصر الأموي وانتهاءً بالعصر العباسي.
نظرة عامة في النقد
يتحدث الكاتب عن أهمية وصف النقد باعتباره نوعاً من الأدب في حد ذاته. لأن التعامل مع المنتج النقدي على أنه منتج أدبي له قيمة ذاتية، بصرف النظر عن الاستفادة من النقد ذاته، وهي التعبير عن شخصية وفكر الناقد.
دراسة النقد كأدب:
"ففي المرة الأولى نرجع إلى قطعة من النقد لاهتمامنا بالكتاب، أو بالمؤلف الذي يتناوله هذا النقد، ولكن بعد ذلك سوف نستكشف في هذا النقد شيئاً آخر يستدعي اهتمامنا. فمثلاً كتاب أرنولد "Essays in Criticism" قد نهتم بقراءته أولاً لكي نحصل على تقدير أتم لوردسورت أو لبيرون أو لشيلي أو لكيتس(*): ولكن بصرف النظر عن أهميته الثانوية كوسيلة إلى غاية فإن له قيمته الذاتية كتعبير عن الناقد نفسه، عن شخصيته وفكره وطرقه وأغراضه. وحتى لو وجدنا أقوال أرنولد عن هذا الشاعر أو غيره غير مرضية، وحتى لو لم نجد في هذه الأقوال فائدة ما أو وجدنا فائدة قليلة فيها كوسيلة إلى غاية، فإنها تظل ذات أهمية ولذة باعتبارها أقواله هو. وما يصدق عن أرنولد يصدق بالطبع عن كل النقاد الكبار. ومعنى هذا أن النقد، برغم أنه قد يعتبر مبدئياً كأداة في دراسة الأدب، فإنه يجب ألا يعتبر أداة فقط، فإنه في نفسه صورة من الأدب، وعلى هذا الاعتبار يستحق أن يدرس لقيمته الخاصة".
هوامش: (*)ماثيو أرنولد (1822-1888) شاعر وناقد انجليزي ومؤلف كتاب "Essays in Criticism" (نشر عام 1885) الذي تناول بالنقد أعمال شعراء انجلترا في القرن التاسع عشر. ذكر الكاتب منهم ويليام ووردسورت وجورج بيرون وبيرسي شيلي وجون كيتس.
يتطرق الكاتب لشرح مؤهلات الناقد وتأثير اللمحات الشخصية على حكمه كناقد. ومدى ملائمة الشخص من حيث تكوينه الفكري ونفسيته وانتباهه لمهنة الناقد. إن من أهم مؤهلات الناقد تجرده من ميوله الثقافية والاجتماعية وذوقه الفردي.
النواحي الشخصية:
"لما كانت الشخصية هي الحقيقة المبدئية في كل الأدب فإننا نبدأ بالناقد نفسه. فتكون مهمتنا الرئيسية أن نرى ملائمته لمهنة المفسر والقاضي. ومن الواضح أن كلامه عن كتاب أو مؤلف لا يكون له أي أهمية هنا إلا إذا كان لدينا اعتقاد بأنه يتكلم كأديب له حق خاص في أن يسمع كلامه عن هذا الموضوع. ولذا سندرس أسئلة متعددة عن مؤهلاته، ولن نتكلم هنا إلا عن أهم هذه المؤهلات".
مؤهلات الناقد:
"إلى أي حد يقترب في تكوينه الفكري وفي نفسيته مما نسبه للنموذج المثالي للناقد؟ - لما لم يكن في طوق الإنسان أن يبلغ المثل الأعلى وليس له إلا أن يقترب منه فقد - إلى أي حد وفي أي النقط يجب أن نغفر له نقائصه؟ الناقد الحق يجب أن يكون ذهنه منتبهاً ومرناً، حاد النظرة، سريع الاستجابة لكل التأثيرات، قوي الفهم للأساسيات. وفوق ذلك كله يجب أن يكون كما قال ماتيو أرنولد قادراً على أن يرى الشيء كما هو في الحقيقة، وألا يزيغ في ضباب من ميوله الخاصة وأفكاره السابقة. ومعنى ذلك أنه لا يجب أن يكون خالياً تماماً ومتجرداً من كل ميل من أي نوع، ميل الأذواق الفردية، وميل الثقافة، وميل العقيدة والطائفة والحزب والطبقة والأمة. والآن لما كان أعظم النقاد، حتى ناقد مثل لسنج(**)، يخفقون في أن يمتلكوها جميعاً. فإنه يكون من اللازم علينا أن نتبين بدقة وعناية كل علامة على شيء يعوق ذهن الناقد على أن يعمل عملاً حراً نزيهاً في موضوعه، وأن نتتبع هذه العلامات حتى نرجعها إلى أصولها إذا استطعنا، وأن نشرحها ونعللها، وأن نقدر دائرة تأثيرها واحتمالات نتائجها. وموقف الناقد بإزاء المنقود، كموقف أرنولد مثلاً بإزاء ردسورث وشيلي، سوف يقودنا إلى أن نتسائل هل هذا الموقف لا يمكن تفسيره بعلة خاصة في الناقد نفسه. وسوف نجد في كثير من الحالات أن النقد الذي يتميز في حدود معينة بقوة الفهم وصحة الإدراك يشوهه بل ويجعله أحياناً كاذباً عادة ذهنية خالصة أو فكرة سابقة لا أساس لها. وأروع مثال لذلك جونسون، الذي كان ناقداً بارعاً للأدب حين يكون متعاطفاً مع أغراض المؤلف ومبادئه. وكان على العكس تماماً يحن كان يتناول الأدباء الذين لا يعطف عليهم لسبب ما. وهكذا نجد أحسن عمله في نقده ليوب وأديسون اللذين كانا داعيين للمثل الأدبية التي كان يقدرها، ونجد أسوأ عمله في نقده لملتن وجراي. فقد أمسك حكمه على الثاني مخالفته له في الميول الشخصية والأدبية، وأفسد حكمه على الأول مخالفته له في المذهب السياسي".
هوامش: (**)جوتهولت إفرايم ليسنج (1729 – 1781)، كاتب مسرحي وناقد ألماني. من أقطاب الأدب في القرن الثامن عشر، وزعيم حركة التنوير في ألمانيا. مثلت أشهر مسرحياته على مسرح برلين، وأثرت كتاباته النظرية بصورة كبيرة على تطور الأدب الألماني.
ذخيرة الناقد
يؤكد الكاتب أن المؤهلات أشمل وأعم من موهبة الناقد الطبيعية واستعداده الذهني. إذ يجب أن يكون متقناً لصنعته ومؤهلاً بذخيرة معرفية ملائمة. يذكر الكاتب أهمية النقد المنظم ومواظبة المران على الصنعة بالنسبة للناقد. كذلك ذكر الفارق بين الناقد الذي يؤثر فيه ميل الاحتراف والمهنة وبين القارئ العادي الذي لا يجب أن يحتقر رأيه في العمل الأدبي فهو يتمتع بميزة هي القدرة على الإدراك والتقدير ولرأيه قيمة كبيرة هي أنه رأي خالص مستقل عن أي تأثير أو ميول أدبية. ومن المهم للناقد عملية تهذيب العقل لتتحقق الاستفادة من المعرفة ويصبح قادراً على أداء دوره المفسر والحاكم على العمل الأدبي. يدلل الكاتب على صحة الفكرة بمثال عن الملحمة الشعرية (الفردوس المفقود) للكاتب الانجليزي جورج ميلتون، وقدرة ناقد ما أن يصدر حكماً صحيحاً على هذه الملحمة بدون سابق معرفة عن ملاحم شعرية أخرى كالإلياذة.
"لكن مؤهلات الناقد لا تعتمد على مواهبه الطبيعية فحسب، وهكذا ينشأ سؤال ثان عن ذخيرته وبضاعته التي يتخذها لعمله. هناك من هم على علم زهيد لا دراية لهم بالصنعة، ولكن شعورهم الغريزي بما هو جيد في الأدب قد أعطاهم برغم ذلك قوة غريبة على الإدراك والتقدير والتميز. فمن الواجب ألا نحتقر الحكم النزيه الذي يصدره قارئ عام قدير على كتاب، كما لا نحتقر الحكم النزيه الذي يصدره الهاوي القدير على قطعة أدبية، فإن لهذا الحكم في الحقيقة قيمة كبيرة ولو لمجرد أنه جديد مستقل خالص من التأثير المخادع لأعظم نوع من أنواع الميل وهو ميل الاحتراف والمهنة، وفي نفس الوقت فإن النقد المنظم والعلم المنظم والمران على الصنعة هي أشياء لا غنى عنها. ومن اللازم أن يكون لناقد الأدب كما لناقد الفن تثقيف خاص. ونعني بالتثقيف تحصيل المعرفة وتهذيب العقل معاً، فالناقد يحتاج إلى المعرفة فتعطيه سعة النظرة ولتكون أساساً صالحاً لحكمه، وهو يحتاج إلى تهذيب العقل ليجعل هذه المعرفة قابلة لأن ينتفع بها وإن مقدار صلاحيته كمفسر وحاكم ليتناسب مع معرفته وتهذيبه. فإذا لم توجد المعرفة والتهذيب فإن آراءه مهما تكن لذيذة وموحية فإنها تكون تافهة القيمة.
وهنا يكون من العبث أن يحاول أحد الحكم على (الفردوس المفقود) دون أن يكون عارفاً للإلياذة والإنيد والمعرفة التامة الدقيقة بأعظم منتجات العالم في القصة التمثيلية والرواية النثرية هي شيء لا بد من لأي واحد يحاول أن يصدر حكماً على رواية أو على دراما. ومن العسير ألا نوافق أرنولد في قوله أن أقل ما ينبغي أن يكون عليه استعداد ناقد هو معرفة أدب كبير بجانب أدبه، وكلما كان مختلفاً عن أدبه كان ذلك أفضل، وليس هناك مبالغة قط في قوله "إن الاستعداد الكامل يجب أن يحتوي على معرفة أحسن الأشياء في كل الآداب الأوروبية القديمة والحديثة وحتى في الآداب الشرقية القديمة، وإن انحصار المعرفة في أي نوع من الأدب سينتج حتماً ضيق الحكم وانحرافه".
No comments:
Post a Comment