Saturday, January 9, 2016

فن الخرافة (الثعلب والديك نموذجا)

فن الخرافة(الثعلب والديك نموذجا):


يُعرف فن الخرافةبأنه: قصة قصيرة تسرد حادثة تدور على ألسنة الحيوانات، وتُمثِّل في ثوبها الخارجي المموه واقعا إنسانياً، مثل خرافات "ابن المقفع- لافونتين- ايسوب"... الخ.

ومن أشهر ممن كتبوا فى هذا الفن  لافونتين(1621 – 1695)  صحيح أنه لم يخترع فن الخرافة، ولكنه استفاد ممن سبقوه أمثال ايسوب اليوناني، وفيدر اللاتيني، وبيدبا الهندي.
كانت الخرافة قبل لافونتين – في اليونانية واللاتينية – حكاية قصيرة بسيطة،تنتهى عادة بدرس أخلاقي هو غايتها الأساسية، لكن لافونتين طور الخرافة إلى عمل فني متكامل العناصر يهدف إلى غايتين: التثقيف والمتعة الفنية؛ لأنه رأى – كما يقول في مقدمة خرافاته “أن الخرافة تتكون من جزأين: يمكن أن نسمي أحدهما جسما والآخر روحاً، فالجسم هو الحكاية، أما الروح فهي المعنى الخلفي للحكاية”..
كما تناول لافونتين في خرافاته الموضوعات التقليدية، لكنه بث فيها الحياة والقوة والجمال بما سكبه فيها من طبعه الفني، وسخريته اللطيفة، ومقدرته على الغوص في أغوار النفوس، واستطاع أن يقدم لوحة كاملة للمجتمع الفرنسي في عصره، بل للمجتمع الإنساني بأسره. وهذه أسباب إقبال أدباء العربية على خرافات لافونتين بالنقل والترجمة حيناً، وبالاقتباس والتقليد حيناً آخر،وكان من أبرز هؤلاء أمير الشعراء أحمد شوقى(١٨٦٨_١٩٣٢)

سبق الكثيرون شوقي في التأليف على غرار حكايات لافونتين ومنهم: محمد عثمان جلال(١٨٢٨_١٨٩٨) في كتابه: (العيون اليواقظ في الحكم والأمثال والمواعظ)، إلا أنه مصّر الأماكن وغيرها فجعلها ترجمة حرة في قالب شعري مزدوج مبسط لحكايات لافونتين، ثم سلك مسلكه إبراهيم العرب في كتابه: (آداب العرب) وهو شعر قصّ فيه حكايات على لسان الحيوان، إلا أنهما لم يرتقيا بهذا الفن ما ارتقى به أحمد شوقي حينما والى الجهد في هذا الميدان حتى كان خير من حاكى لافونتين في العربية بجميع خصائصه الفنية.

تأثر شوقى بخرافات لافونتين حينما كان فى فرنسا وقرر أن ينظم حكايات على منوالها وقد ذكر ذلك فى مقدمة ديوانه الشوقيات حيث يقول: "وجربت خاطري في نظم الحكايات على أسلوب (لافونتين) الشهير وفي هذه المجموعة شيء من ذلك فكنت إذا فرغت من وضع أسطورتين أو ثلاث أجتمع بأحداث المصريين وأقرأ عليهم شيئا منها فيفهمونه لأول وهلة ويأنسون إليه ويضحكون من أكثره وأنا أستبشر لذلك وأتمنى لو وفقني الله لأجعل لأطفال المصريين مثلما جعل الشعراء للأطفال في البلاد المتمدنة منظومات قريبة المتناول يأخذون الحكمة والأدب من خلالها على قدر عقولهم". ويضيف: "وهنا لا يسعني إلا الثناء على صديقي خليل مطران صاحب المنن على الأدب، والمؤلف بين أسلوب الإفرنج في نظم الشعر وبين نهج العرب. والمأمول أننا نتعاون على إيجاد شعر للأطفال والنساء وأن يساعدنا سائر الأدباء والشعراء على إدراك هذه الأمنية".
وهنا يمكن القول أن شوقى عاد من فرنسا ومعه مشروع تحديثى للشعر، مشروع قومي يتمنى من خلاله أن يجعل أطفال مصر كأطفال أوروبا فى العلم والثقافة،ويدعو الأدباء والشعراء الى مساعدته فى تحقيق هذه الأمنية.
وقد أخذ النقاد على شوقى فى حكاياته استعماله لبعض الكلمات التى يصعب على الأطفال ادراكها،كذلك يصعب عليهم ادراك ماترمز اليه بعض القصائد ،خاصة إذا كان الرمز سياسيا
وأخيرا أتركك أيها القارىء مع حكاية (الديك والثعلب ) للافونيتن ،والتى ترجمها ونظمها جلال عثمان فى كتابه (العيون اليواقظ) ؛ لتقارن بينها وبين ماكتبه شوقى على نفس الحكاية  .
قال جلال عثمان:
الديك قد كان بأعلى الشجرة...فجاءه الثعلب يوما فأخبره
وقال ياديك أتيت بخبر...أحلى من الرياض فى المطر
قد شاع فينا الصلح والأمانة..فلا تخف قدرا ولاخيانة
وحيث جئت لاشيع هذا ...فالبعد عنى والجفا لماذا
نحن غدونا فى الديار أخوة..فانزل الى إن تكن ذا نخوة
وأقصد عناقى اننى بشير...وبلاكف للهنا أشير
قال له الديك صحيح ماتقول...وقد سمعت اليوم دقا بالطبول
وها أرى كلبين مقبلين..عسى يكونان بساعيين
والان لابد أن نراهما...هنا ليخبرا بما وراهما
ففزع الثعلب للكلبين...وفر يشكو لغراب البين
وقال عن اذنك ياديك الخلا..فى مرة أخرى أراك مقبلا
وفى غد آتى إلي عناقك..فلا تؤاخذنى على فراقك
وراح يجرى خجلا متفزعا...من حيلة لم تجد شيئا نفعا
والديك قد مال عليه ضحكا...من قوله الذى عليه انسبكا
وقال لى غشك للغشاش..ألذ من نومك فى الفراش
وخادع الثعلب وهو داه...ليس بذى جهل ولا أسفاه

وقال شوقى :
بـَرَزَ الثعـــْـــلَبُ يوما*** في شـِعـــار الواعـِظيـنا

فـَمـَشى في الأرضِ يـَهــْـذي *** ويـَســُـبُّ المـاكرينا

ويقول الحـــَــــمـْد لله *** إلـــَـــه العالــــَــمينا

يا عـــِـــباد الله توبوا *** فـَهو كـَهـْف ُ التــائبينا

وازهـَدوا في الطـَيـْر إن الـ *** عـَيـْشَ عـَيـْشُ الزاهـِدينا

واطـْلـُبوا الديـــك يؤذن *** لصـَـلاة الصـُـبـْح فينا

فأتَى الديك َ رَســــُــولٌ *** مـِن إمــام الناســــكينا

عـَرَضَ الأمرَ عـَلـَيـْـهِ *** وهو يـَرجـــو أن يـَلينا

فأجـــــاب الديـكُ عـُذْراً *** يا أضــَـل المهـْتـَدينا

بـَلـِّـغ الثـَعـْلـَبَ عـَنـي *** عـَنْ جـُدودي الصالحـــينا

عن ذَوي التـِيجان مـِمـَّن *** دَخــَــلَ البـَطـْنَ اللعينا

أنهم قـــالوا وخـَيـْرُ الـ *** قـَوْل قـَـوْلُ العـــارفينا

" مـُخـْطـِئ ٌمـَنْ ظـَنّ يـَوما *** أنَ لِلثـَعـْـلَبِ ديـــنا


.................................................................................................................................
هوامش المراجع:
الأدب المقارن_محمد غنيمى هلال
أمير الشعراء يكتب للأطفال_أحمد فضل شبلول
خرافات لافونتين فى الأدب العربى_ نفوسه زكريا سعيد
أدب الأطفال بين أحمد شوقى وعثمان جلال_أحمد زلط
العيون اليواقظ فى الأمثال والمواعظ_محمد جلال عثمان
الشوقيات_أحمد شوقى

No comments:

Post a Comment